ابن الجوزي
201
صفة الصفوة
أراك خلقت سويّة من طينة لازبة غمرتها بنعمتك ، تغذوها من حال إلى حال وكل أحوالك لها حسنة ، وكل بلائك عندها جميل ، وهي مع ذلك متعرّضة لسخطك بالتوثب على معاصيك ، فلتة في إثر فلتة أترى أنها تظن أنك لا ترى سوء فعالها ؟ بلى وأنت على كل شيء قدير . ثم صرخت وسقطت . ونزلت الجارية فأخبرتني بسقطتها فلما أصبحنا نظرنا فإذا هي قد ماتت - والسلام - . ومن عابدات اليمن المجهولات الأسماء 253 - عابدة عن محمد بن سليمان القرشي قال : بينا أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في أذنيه قرطان ، في كل قرط جوهرة ، يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة ، وهو يمجّد ربه بأبيات من الشعر . فسمعته يقول : مليك في السماء به افتخاري * عزيز القدر ليس به خفاء فدنوت منه فسلمت عليه فقال : ما أنا براد حتى تؤدي من حقّي ما يجب لي عليك . قلت : وما حقّك ؟ قال : أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلم لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف . فأجبته إلى ذلك فرحّب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر . فلما قربنا من الخيمة صاح : يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة يا لبّيكاه . فقال : قومي إلى ضيفنا . فقالت الجارية : حتى أبدأ بشكر المولى الذي سبب لنا هذا الضيف . فقامت فصلت ركعتين شكرا للّه عزّ وجل . فأدخلني الخيمة وأجلسني . وأخذ الغلام الشفرة وأخذ عناقا ليذبحها فلما جلست في الخيمة نظرت إلى أحسن الناس وجها ، فكنت أسارقها النظر ففطنت لبعض لحظاتي إليها فقالت لي : مه أما علمت أنه قد نقل إلينا عن صاحب يثرب